حين تتحول النبوءات إلى سياسة: من يعيد رسم خريطة المنطقة؟

الكاتب/ د. حسين عبيد باحث في القضايا الفكريّة والتاريخيّة

0

تميل بعض التحليلات إلى تفسير الحروب الدائرة اليوم في المجال الإقليمي العربي – الإسلامي بوصفها امتدادًا لصراعات تاريخيّة قديمة بين الإمبراطوريّات الكبرى، مثل الحروب التي دارت بين الفرس واليونان أو بين الفرس والبيزنطيين. ويستند هذا التفسير إلى المقولة الشائعة التي تفيد بأنّ “التاريخ يعيد نفسه”، غير أنّ هذا الطرح يغفل حقيقة أساسية في فهم التاريخ، وهي أنّ كل مرحلة تنتج صراعاتها في سياقها الخاص، وتنتج صراعاتها ضمن شروطها السياسيّة والاقتصاديّة والفكريّة.
كما أنّ هذا التفسير يضعف أمام شواهد تاريخيّة تُظهر أنّ العلاقات بين الحضارات لم تكن دائمًا قائمة على صراع ثابت أو حتمي بين الشرق والغرب. ومن الأمثلة الدالة على ذلك موقف كورش الفارسي الذي سمح لليهود بالعودة إلى فلسطين بعد السبي البابلي، وهو ما يكشف أنّ حركة التاريخ لا تسير وفق نمط صراعي ثابت يمكن تعميمه أو التنبؤ به.
في المقابل، يذهب اتجاه آخر إلى أنّ التاريخ لا يعيد نفسه بصورة حرفية، وأنّ الصراعات المعاصرة لا يمكن فهمها باعتبارها مجرد تكرار لحروب الماضي، بل بوصفها نتاج تفاعل مركّب ومعقد بين السرديّات الدينيّة والمصالح الجيوسياسيّة. فالهويات الدينية والتاريخية تمنح الصراع بعدًا رمزيًا قويًا، بينما تتحرك الدول والقوى السياسية ضمن منطق المصالح وموازين القوة والتحكم بالجغرافيا والموارد الاستراتيجية.
ومن هنا، يظهر أنّ الدين في كثير من الأحيان لا يعمل فقط بوصفه عقيدة أو منظومة روحيّة، بل يتم توظيفه في إطار رمزي يمنح السياسات الواقعية غطاءً من الشرعية التاريخية أو الدينية. وعند هذه النقطة تحديدًا تبدأ النبوءات والسرديّات التاريخية بالتحول من نصوص دينيّة أو تصورات رمزيّة إلى عناصر فاعلة في الخطاب السياسي والاستراتيجي.
ويتجلى هذا التداخل بوضوح في الخطاب المرتبط بفكرة ما يُعرف بـ “إسرائيل الكبرى”، وهي فكرة ارتبطت ببعض القراءات الأيديولوجية للنصوص التوراتية وبالأدبيات الصهيونية المبكرة حول مفهوم “الأرض الموعودة”. وقد ظهرت هذه الفكرة في خرائط رمزيّة أو دعائيّة تُصوّر المجال الجغرافي المفترض للدولة اليهوديّة على نطاق أوسع بكثير من حدودها الحاليّة، بحيث يشمل فلسطين التاريخيّة ولبنان وسوريا والأردن والعراق، إضافة إلى أجزاء من شبه الجزيرة العربية ومصر، وصولًا في بعض التصورات الأكثر توسعًا إلى تخوم إيران.

كما يظهر هذا التداخل في النقاشات المتعلقة بمفهوم الحدود في الفكر السياسي الصهيوني. فقد نُقل عن دافيد بن غوريون قوله، عندما سُئل عن حدود إسرائيل، إنّ “حدودها تصل إلى حيث يصل حذاء الجندي الإسرائيلي الأخير”. وفي سياق آخر، طُرح سؤال مشابه على شمعون بيريز قبيل توقيع اتفاقيّة أوسلو حول طبيعة حدود الكيان، فأشار إلى أنّ هناك ثلاثة مستويات للحدود: حدود جغرافيّة – سياسيّة سيتم الاتفاق عليها في المستقبل، وحدود أمنية تصل إلى مياه الخليج وبحر العرب وباب المندب، إضافة إلى حدود اقتصادية تتجاوز المجالين السابقين بكثير.
وفي سياق التحولات التي تشهدها المنطقة، برزت أيضًا ما يُعرف بـ “اتفاقات إبراهام”، التي تُطرح في الخطاب السياسي بوصفها إطارًا “للسلام” والتطبيع. غير أنّ بعض القراءات ترى فيها أداة لإعادة ترتيب التحالفات الإقليميّة وموازين القوّة بما يخدم مصالح القوى الفاعلة في المنطقة والداعمين الدوليّين لها، مع محاولة إضفاء مشروعيّة رمزيّة عبر خطاب “السلام”.
وفي ظل الحروب المستمرة والتحولات المتسارعة في المنطقة، يرى عدد من المحللين أنّ هذه السرديّات قد لا تبقى مجرد أفكار أيديولوجيّة أو رموز تاريخيّة، بل قد تجد طريقها إلى السياسات العمليّة من خلال إعادة تشكيل الوقائع الميدانيّة وموازين القوّة. وهنا يصبح الحديث عن الحدود أكثر تعقيدًا، إذ لا تُفهم الدولة في بعدها الجغرافي فقط، بل في أبعادها الأمنية والاستراتيجية والاقتصادية أيضًا.
وبذلك يتضح أنّ الصراع في المجال الإقليمي العربي – الإسلامي يتشكل ضمن تداخل معقد بين الرمزيّات الدينيّة والحسابات الجيوسياسيّة. فالسرديّات العقائدية تمنح الصراع معناه الرمزي، بينما تحكمه في الواقع اعتبارات القوة والمصلحة لدى الدول والفاعلين السياسيّين.
وفي ضوء ذلك، يظل السؤال مطروحًا: هل نشهد اليوم تحوّل بعض النبوءات والسرديّات التاريخيّة إلى مشاريع سياسيّة تعيد رسم خريطة المنطقة؟ أم أنّ توازنات القوّة الإقليميّة والدوليّة ستبقي هذه التصورات ضمن حدود الخطاب الأيديولوجي دون أن تتحول إلى واقع جغرافي جديد؟ هذا ما ستكشف عنه الأيام القادمة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.