لبنان كساحة اختبار: القرار “الإســـ.ـرائـ.ـيـلي” بين التمكين السياسي ومخاطر التصـ..ـعيد
جـ.ـهــاد حيدر
تقدّر “إســـ.ـرائـ.ـيـل” أن الحـ.ـرب الأخيرة على الساحة اللبنانية لم تكن خاتمة دورة الصراع، مع أنها عملت وراهنت على أن تكون كذلك، لكن فشل الحسم وما يمكن أن يترتب عليه. ولذلك تحولت الى تموضع جديد داخل مسار أطول، تُعاد فيه صياغة طبيعة التهديد وحدود التعامل معه. فالاستنتاج المركزي الذي تبلور بعد أشهر من اتفاق وقف الحـ.ـرب لا يقوم على افتراض إنهاء خطر حـ.ـزب الله، بل على أن هذا الخطر تغيّر في شكله ودوره. غير أن هذا الاستنتاج، الذي كان يستند في مرحلته الأولى إلى منظومة قيود سياسية-إقليمية صارمة، خضع لتعديل بنيوي مع إدخال معطى جديد يتمثل في إبلاغ رئيس الوزراء “الإســـ.ـرائـ.ـيـلي” وزراء حكومته بأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب منح “إســـ.ـرائـ.ـيـل” ضوءًا أخضر للتحرك العسـ.ـكر ي في لبنان.
يُنظر إلى هذا المعطى، في دوائر التقدير “الإســـ.ـرائـ.ـيـلية”، بوصفه تحولًا في بنية القرار لا في النية فقط. فالعامل الأميركي، الذي شكّل سابقًا عنصـ.ــر ضبط وإيقاع، انتقل من موقع الكابح النسبي إلى موقع المُمكِّن المشروط، بما يعيد تعريف هامش المناورة المتاح لـ”إســـ.ـرائـ.ـيـل” ويقلّص الكلفة السياسية المتوقعة لاستخدام القوة. ولا يُفهم هذا الضوء الأخضر باعتباره تفويضًا مفتوحًا لحـ..ـــرب شاملة، بل كإزالة مسبقة لعائق استراتيجي كان يحكم توقيت وحدود أي تصـ..ـعيد واسع.
ضمن هذا الإطار المعدّل، تواصل “إســـ.ـرائـ.ـيـل” تقييم نتائج الحـ.ـرب باعتبارها إنجازًا عـــ.ــمـلـيـاتيًا غير مكتمل استراتيجيًا. فقد تراجع حـ.ـزب الله عسـ.ـكر يًا وردعيًا، وتضررت بعض قدراته النوعية. إلا أن هذا التراجع لم يصل، وفق التقدير “الإســـ.ـرائـ.ـيـلي”، إلى مستوى الإخلال البنيوي بوظيفة الحـ.ـزب العسـ.ـكر ية أو تفكيك منظومته التنظيمية. ويُقدَّر أن الحـ.ـزب فقد نحو 40% من قدراته، ما يضعه في حالة دفاعية-ترميمية قابلة للانعكاس، لا في حالة انهيار. وهو ما يتعارض مع النسب التي سبق أن روجت لها القيادتان السياسية والأمنية “الإســـ.ـرائـ.ـيـليتان”.
لكن إدخال متغير الضوء الأخضر الأميركي يغيّر قراءة هذا الواقع من حيث الدلالة الزمنية. فبدل النظر إلى مرحلة الترميم باعتبارها مسارًا يمكن احتواؤه طويلًا عبر أدوات استنزاف وضبط محدودة، بات يُنظر إليها كمرحلة انتقالية خطرة قد تنتج، إذا ما اكتملت، وضعًا ردعيًا جديدًا أكثر تعقيدًا. وعليه، يتحول الزمن من عامل يمكن إدارته إلى عامل ضغط يدفع نحو التفكير في تسريع استخدام القوة قبل اكتمال التعافي. (مع ذلك لا يعني ما تقدم شن حـ..ـــرب بالضرورة، وإنما تصـ..ـعيدًا مضبوطًا، أو تصـ..ـعيدًا في الضغوط السياسية من أجل تهيئة الأجواء لخطوات داخلية في لبنان).
على المستوى اللبناني الداخلي، لا يزال التقدير “الإســـ.ـرائـ.ـيـلي” يرى أن الدولة اللبنانية عاجزة بنيويًا عن اتخاذ قرار سياسي أو أمني يؤدي إلى تحجيم حـ.ـزب الله أو تفكيك منظومته. غير أن أهمية هذا العامل في الحسابات “الإســـ.ـرائـ.ـيـلية” تراجعت نسبيًا. فبينما كان الرهان سابقًا على تحويل الإنجاز العسـ.ـكر ي إلى مسار سياسي تقوده الولايات المتحدة عبر الضغط على الدولة اللبنانية، بات يُنظر إلى هذا المسار بوصفه قناة ثانوية أو مكمّلة، لا ركيزة أساسية. ويعكس ذلك انتقالًا في التفكير من محاولة “تثبيت” نتائج الحـ.ـرب سياسيًا، إلى الاستعداد لفرض وقائع إضافية بالقوة إذا اقتضى الأمر.
في المقابل، يستمر الدعم الإيراني لحـ.ـزب الله كعنصـ.ــر ثابت في صورة الوضع. غير أن التقدير “الإســـ.ـرائـ.ـيـلي” المعدّل يفصل، بدرجة أكبر من السابق، بين إدارة الساحة اللبنانية وإدارة الصراع مع إيران. فبدل اعتبار التزاحم بين الساحتين عامل كبح متبادل، يُعاد تعريفه كمسألة ترتيب أولويات، حيث يمكن العمل في لبنان ضمن سقف مدعوم أميركيًا، من دون أن يعني ذلك استنزاف القدرة على التعامل مع التهديد الإيراني في مرحلة لاحقة.
ضمن هذا التصور، يُعاد تصنيف الخيارات “الإســـ.ـرائـ.ـيـلية”. فخيار الاستنزاف المحدود، القائم على الضربات الموضعية ومنع التعاظم، لم يعد الخيار المرجّح تلقائيًا، بل أحد الخيارات ضمن سلّم أوسع. وفي المقابل، يكتسب خيار العـــ.ــمـلـيـات الأوسع -وإن بقي دون مستوى الحـ.ـرب الشاملة- قابلية أعلى للاستخدام، بوصفه أداة لإعادة إنتاج صدمة سياسية في الداخل اللبناني لتبرير المزيد من التنازلات وربما الارتقاء الى مزيد من الخطوات.
مع ذلك، لا يغيب عن التقدير “الإســـ.ـرائـ.ـيـلي” أن هذا المسار ينطوي على مخاطر تصـ..ـعيدية جدية. فكل استخدام موسّع للقوة يحمل في طياته احتمال كسر قواعد الاشتباك القائمة، وفتح مسار تفاعلي يصعب ضبطه، خصوصًا في ظل بنية قرار غير مركزية بالكامل لدى حـ.ـزب الله، وتشابك الساحات الإقليمية. إلا أن الضوء الأخضر الأميركي يُقدَّر أنه يقلّص من كلفة هذا الاحتمال سياسيًا، حتى لو لم يُلغِ مخاطره عسـ.ـكر يًا.
في المحصلة، ترى “إســـ.ـرائـ.ـيـل” أن الحـ.ـرب فتحت نافذة زمنية نادرة، لكن المعطى الأميركي الجديد أعاد تعريف طبيعة هذه النافذة وحدود استثمارها. فالنجاح لم يعد يُقاس فقط بقدرة “إســـ.ـرائـ.ـيـل” على إدارة التراجع الذي أصاب حـ.ـزب الله ومنع تعافيه عبر الزمن، بل بقدرتها على استخدام القوة في اللحظة التي تتوافر فيها شروط التمكين السياسي وتكون فيها كلفة التأجيل أعلى من كلفة الفعل. وفي حال أخفقت “إســـ.ـرائـ.ـيـل” في ترجمة هذا التمكين إلى وقائع ميدانية ضاغطة، فإن الخطر يتمثل في أن يتحول التراجع الحالي إلى محطة عابرة، تُفضي لاحقًا إلى عودة معادلة ردع أكثر صلابة وتعقيدًا. وعليه، تبقى الساحة اللبنانية اختبارًا مركزيًا لقدرة “إســـ.ـرائـ.ـيـل” على المواءمة بين حرية القرار المتزايدة والمخاطر البنيوية للتصـ..ـعيد، في بيئة إقليمية لم تُحسم اتجاهاتها بعد.