تقف البشرية اليوم أمام مشهد سريالي، فمن جهة تمتلك الحضارة الغربية أضخم ترسانة من القوانين والمواثيق التي تتحدث عن كرامة الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها، ومن جهة أخرى نرى هذه القوانين تسـ..ــحق تحت مجنزرات الدبابات في أزقة غـ..ـزة وقرى جنوب لبنان. إن ما نعيشه ليس مجرد صراع عسـ.ـكري عابر، بل هو انكشاف حضاري كلي، حيث تعرى الزيف الذي تغلف به النظام العالمي منذ نهاية الحـ.ـرب العالمية الثانية. لقد تبين أن الإنسان الذي كتبت لأجله مواثيق جنيف وحقوق الإنسان هو إنسان انتقائي، يحدد سعره وقيمته بناء على قربه من المركزية الغربية وهويته العرقية، ما جعل العالم يعيش حالة من الفصام القيمي بين ما يقال في أروقة الأمم المتحدة وما ينفذ على أرض الواقع.
الجذور الفلسفية للزيف، المركزية والأنانية
الحضارة الغربية المعاصرة ليست نتاجًا وليد الصدفة، بل هي ابنة فلسفة ترى في الذات الأوروبية الأميركية مركزًا للكون، وما سواها مجرد أطراف أو هوامش. هذا التصور خلق فجوة عميقة بين النظرية والممارسة، فالحرية في الفلسفة الغربية هي حق طالما أنها تخدم مصالح السوق والنموذج الرأسمالي، لكنها تصبح تمردًا أو إرهــ.ـابًا عندما تطالب بها شعوب الجنوب العالمي للتحرر من التبعية. هذا الزيف البنيوي جعل من القيم الغربية أدوات قوة ناعمة تستخدم لتركيع الدول المعارضة، بينما يجري التغاضي عنها تمامًا عندما يمارس حلفاء الغرب أبشع أنواع القمع. إننا نعيش في ظل إنسانية مجزأة، حيث يعدّ دمار مدينة أوروبية مأساة كونية، بينما يعدّ محو مربعات سكنية كاملة في الشرق الأوسط مجرد أضرار جانبية في سياق مكافحة الإرهــ.ـاب.
فضح السردية الصهـ.ــيونـ.ـية، صناعة المظلومية لشرعنة الإبادة
لا يمكن فهم زيف الحضارة الغربية دون تفكيك الركيزة الأساسية التي يستند إليها مشروعها في منطقتنا، السردية الصهـ.ــيونـ.ـية. لقد نجح هذا المشروع في اختراق الوعي العالمي عبر صناعة مظلومية احتكارية تبرر ارتكاب الجــ..ــرائـ..ـم تحت غطاء الدفاع عن النفس.
تقوم هذه السردية على مغالطة تاريخية وأخلاقية كبرى، وهي الخلط المتعمد والممنهج بين الصهـ.ــيونـ.ـية كحركة سياسية استعمارية وبين اليهودية كدين. هذا الخلط يهـ.ـدف إلى جعل أي نقد لسياسات الاحتـ.ـلال أو المطالبة بحقوق الفلسـ.ـطينيين واللبنانيين يقع تحت طائلة معاداة السامية. لقد تحول مصطلح معاداة السامية من توصيف لعنـــصـرية عرقية حقيقية عانت منها أوروبا تاريخيًا إلى سلا ح سياسي وابتزاز أخلاقي يستخدم لتكميم أفواه الجامعات والمنظمات والحكومات التي تحاول إدانة المـ ـجـ ـازر. إن العالم يدرك الآن أن معارضة كيان يرتكب إبادة جماعية ليست كراهية لليهود، بل هي أرقى أشكال التمسك بالقيم الإنسانية العالمية.
غـ..ـزة، مختبر الإبادة وصمت العالم الحر
تمثل الإبادة الجماعية في غـ..ـزة النموذج الصارخ لما وصلنا إليه من انحدار أخلاقي. منذ تشرين الأول 2023 تحولت غـ..ـزة إلى ساحة اختبار لأحدث الأ سلحة الأميركية الفتاكة، ليس ضد جيوش، بل ضد نسيج مدني كامل.
عندما يجري تدمـ..ـير المستشفيات والجامعات ومحطات تحلية المياه واستـ..ـهداف مراكز الإيواء، فنحن لسنا أمام أخطاء عسـ.ـكرية، بل أمام استراتيجية محو تهـ.ـدف إلى جعل الحياة مستحيلة.
إن استجابة الغرب بقـيـا دة الولايات المتحدة لسياسة التجـ..ـويع التي تمارس ضد مليوني إنسان كشفت عن وحشية لا تقل عن وحشية العصور الوسطى، بل تزيد عليها بأنها تمارس تحت بصر الكاميرات وبغطاء سياسي يمنع حتى التنـ..ـديد اللفظي المؤثر. غـ..ـزة اليوم هي الشاهد الحي على أن القانون الدولي الإنساني لا يطبق إلا إذا كانت الضحية تمتلك موافقة أميركية على حقوقها.
لبنان، استنساخ التدمـ..ـير وكسر السيادة
لا ينفصل المشهد في لبنان عما يجري في غـ..ـزة، فهو امتداد لعقلية الاستعلاء الاستعماري. في لبنان نرى كيف تنتهك سيادة دولة كاملة، وتدمر قراها الحدودية، ويهجر مليون إنسان من بيوتهم في أيام معدودة، كل ذلك بضوء أخضر أميركي واضح.
المـ ـجـ ـازر التي وقعت في القرى اللبنانية وفي قلب العاصمة بيروت لم تكن لتحدث لولا الشعور بالحصانة المطلقة التي تمنحها واشنطن لـ”إســـ.ـرائـيـل”، هنا يسقط شعار احترام سيادة الدول الذي لطالما تشدق به الغرب في أزمات أخرى، فسيادة لبنان مستباحة لأنها لا تتماشى مع الخريطة الأمنية التي ترسمها القوى الكبرى للمنطقة. إن استخدام الأ سلحة المحرمة دوليًا وضرب البنى التحتية المدنية في لبنان هو تأكيد على أن النموذج الغزي قابل للتكرار في أي بقعة ترفض الإذعان للهيمنة.
تعطيل القانون الدولي في ظل الهيمنة الأميركية
لقد تحول القانون الدولي من منظومة عدالة إلى منظومة إدارة أزمات تخدم القوي. ويمكن رصد تعطيل القوانين عبر ثلاثة محاور رئيسية:
ديكتاتورية الفيتو
تحول مجلس الأمن الدولي إلى مقبرة للعدالة، ففي كل مرة تحاول فيها دول العالم وقف نزيف الدم، يبرز الفيتو الأميركي كجدار صد يحمي القاتل من المحاسبة. هذا الاستخدام المتعسف للقوة السياسية جعل من المؤسسة الدولية جسدًا بلا روح، وأفقد الشعوب الثقة في أي عدالة تأتي من نيويورك.
تـ.ـرهـيـ.ـب القـ.ـضاء الدولي
إن الهـ..ـجوم الشرس الذي شنته الإدارة الأميركية والكونغرس على المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية هو مسمار أخير في نعش العدالة الدولية. عندما يهدد القضاة بالعقوبات الشخصية لأنهم تجرأوا على النظر في جــ..ــرائـ..ـم “إســـ.ـرائـيـل”، فإن الرسالة واضحة: نحن فوق القانون، والقانون يسري فقط على من نختاره نحن.
ولا يمكن قراءة أحداث غـ..ـزة ولبنان دون المقارنة مع الموقف الغربي من أوكرانيا. في أوكرانيا يعدّ قطع الكهرباء والمياه جـ..ـريمة حــ..ــرب، وفي غـ..ـزة يعدّ ضرورة أمنية. في أوكرانيا المـقـاومة بطولة، وفي فلسـ.ـطين ولبنان إرهــ.ـاب. هذه الازدواجية هي التي قتـ.ـلت المصداقية الأخلاقية للغرب إلى الأبد.
التداعيات المعاصرة، نحن والنموذج الزائف
لا تزال شعوبنا العربية تعاني من آثار هذا الزيف على مستويات أبعد من السلا ح. فهي تعاني من الحــ..ــصـ.ـار القيمي. يُطلب منا تبني مفاهيم الحداثة الغربية في التحلل الاجتماعي وتفكيك الأســ.ـــرة تحت مسمى التحرر، بينما يحظر علينا امتلاك التكنولوجيا السيادية أو استغلال مواردنا الطبيعية بحرية. إن الهيمنة الأميركية تفرض نظامًا عالميًا يقوم على التبعية الدائمة، حيث يسمح لنا بالاستهلاك ويحظر علينا الإنتاج، ويسمح لنا بالبكاء على ضحايانا ويحظر علينا الدفاع عنهم. هذا التناقض الصارخ يعزز الشعور بالاغتراب داخل مجتمعاتنا ويجعل من الحضارة الغربية نموذجًا غير صالح للاقتداء.
إن الإبادة في غـ..ـزة والمـ ـجـ ـازر في لبنان هي لحظات تنوير مؤلمة. لقد علمتنا هذه الأحداث أن الأمن الحقيقي لا يأتي من المجتمع الدولي الواهم، ولا من المواثيق التي تكتب بمداد الغدر، بل يأتي من القوة الذاتية والوعي بالحقوق. لقد سقطت الأسطورة التي تقول إن الغرب هو حامي الحريات، فالحرية في نظرهم تنتهي حيث تبدأ مصالح “إســـ.ـرائـيـل” وأميركا.
إن الطريق نحو المستقبل يتطلب فك الارتباط بين التقدم التقني وبين التبعية الأخلاقية للغرب. الحضارة الحقيقية ليست هي التي تملك السلا ح الأقوى، بل هي التي تملك الأخلاق التي لا تتجزأ. إن كفاح أهلنا في غـ..ـزة ولبنان هو في جوهره صرخة لاستعادة إنسانية العالم التي اختطفتها الهيمنة، وتأكيد على أن الحق الذي وراءه مطالب لن يمـ..ـوت مهما بلغت درجة الزيف والتوحش في هذا النظام العالمي المشوه.
من القرصنة السياسية إلى العبودية الرقمية: عصر “قانون الغابة” الجديد
من هنا تؤكد عــ..ــملية اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من مكان إقامته أنها ليست مجرد حادثة عابرة، بل هي إعلان وقح عن نهاية عهد “السيادة الوطنية” وانطلاق شرارة “القرصنة الدولية” برداء أميركي. إن هذا السلوك يثبت أننا سائرون بسرعة البرق نحو “قانون الغابة”، حيث لا حصانة لرئيس ولا اعتبار لإرادة الشعوب أمام رغبات القوى الكبرى.
ويتزامن هذا التغول السياسي مع مخاطر “الثـ،ورة الصناعية الرابعة”، التي بدلاً من أن تكون وسيلة لتحرير الإنسان، يجري استغلالها من قبل رموز الاستعمار الحديث كأداة لاستعباد البشر. فمن خلال الذكاء الاصطناعي وأنظمة المراقبة الكلية، يسعى هؤلاء إلى تحويل العالم إلى سجن رقمي كبير، حيث يُسلب الإنسان إرادته وقيمه تحت وطأة التبعية التكنولوجية. إن ما نراه اليوم هو محاولة لبعث عصر العبودية بأساليب “ذكية”، ما يفرض على الشعوب ضرورة التحرك العاجل لاستعادة كرامتها والحفاظ على ما تبقى من قيم إنسانية قبل أن تبتلعنا خوارزميات الاستعمار الحديث التي لا تعرف أخلاقاً ولا قانوناً.